(المجهر) - في رحلة عبر الحدود السودانية المصرية تقف على التفاصيل والتجاوزات (1-3)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font


-    هل معبر قسطل المصري داخل الحدود السودانية؟!
-    رسوم بدون إيصال مالي في المعبر المصري.. وبضائع غير مصرح لها تعبر للسودان..!
-    بصات سفرية غير مهيأة للسفر الطويل.. واستراحات لا تناسب الاستخدام البشري
-    معظم المسافرين من تجار الشنطة وأغلبهم من النساء!!
-   
أسوان - ميعاد مبارك
انطلقت كمسافرة عادية من الخرطوم إلى حلفا القديمة ومنها عبر معبر أشكيت السوداني إلى قسطل المصري ثم مدينة أسوان، التي توقفت فيها لأربعة أيام، انطلقت بعدها عائدة عبر هيئة وادي النيل، انطلاقاً من ميناء أسوان عبر الباخرة إلى ميناء الشهيد الزبير ومنها عبر البص من حلفا إلى الخرطوم، وقفت خلال رحلتي على العديد من الملفات الخاصة بحركة السفر عبر المنافذ البرية والبحرية بين السودان ومصر، وحركة المسافرين والبضائع بين البلدين، ومعاناة المواطن والتاجر السوداني في طريقهما ذهاباً وإياباً إلى جمهورية مصر العربية، والآلية المستخدمة في التعامل معهما، بالإضافة إلى ملفات التهريب والتعدين بين حدود البلدين، فإلى التفاصيل:
*بداية الرحلة
إنها الرابعة فجراً.. الجو بارد إلى حد ما.. وقفت في انتظار البص الذي حجزت تذكرتي عليه، والذي ينطلق من موقفه في الكلاكلة.. ويوفر خدمة الوقوف في المحطة الأقرب لمنزلك ليقلك من هناك.. كانت محطتي مقابر الرميلة.. ألقيت التحية على أهل القبور وانتظرت البص المنشود.. الذي وصل عند الخامسة إلا خمس دقائق.. البص المتجه إلى حلفا ثم أسوان وحتى القاهرة، شبه ممتلئ، الركاب يحشرون أنفسهم حشراً في مقاعد ضيقة لا تمت للراحة بصلة، تكاد تلتصق بجارك وظهرك كأنه على خشب، بالرغم من أن الكراسي مجهزة بخاصية الرجوع للخلف إلا أن المساحة خلفك لا تسع أقدام المسافر الجالس في المقعد الذي يليك، كان الكل يحاول التكيف والتموضع بأفضل طريقة في هذه المساحة الضيقة.
*الاستراحة الأولى
 توقفنا لأداء صلاة الصبح في استراحة لا تبعد عن الخرطوم إلا قليلاً، الاستراحة مجهزة بسجادات للصلاة وأباريق للوضوء، لكن لا أثر لأي حمامات، بعضهم قضى حاجته على بعد خطوات من الاستراحة وعاد ليلحق بالصلاة.
*عطل مبكر
إنها الثامنة والثلث صباحاً، أشعة الشمس بدأت ترسل الدفء والسلام على مفاصل الركاب المتجمدة.. توقف البص فجأة ونزل السائق والمساعد وبعض الرجال.. علمنا بعد دقائق أن هنالك عطلاً في السيارة، كنا وقتها على مشارف مدينة دنقلا، احتاج إصلاح ميزان الجاز المكسور (40) دقيقة.. بعدها عاودنا المسير.
*أغلبية المسافرين من النساء
كان أغلبية الركاب من النساء اللاتي عرفت أن أكثرهن يعملن في التجارة بين البلدين – تاجرات  شنطة - يحملن بضائع بسيطة من الخرطوم كالحناء والبخور، ويعدن محملات بالثياب والأحذية والأدوات الكهربائية والأواني المنزلية.
وفي وقت كان فيه المسافرون المصريون في البص لا يتجاوزون الخمسة.
*استراحات لا تليق بالاستخدام الآدمي..!
توقفنا في استراحتين، كانت الخدمات فيهما متردية للغاية، والحمامات لا تليق بالاستخدام الإنساني، فتحت أحد الحمامات لأجد مزبلة كبيرة، كماً هائلاً من عبوات المشروبات الغازية الفارغة والأكياس والفضلات، وما بين الكافيتريات والحمامات مزبلة مليئة بالفضلات والأوساخ والأكياس وبقايا الطعام.. الأمر الذي يطرح سؤالاً عن وجود رقيب يتابع ما يحدث في هذه الاستراحات التي يمر عبرها المئات من المسافرين يومياً.
*في حلفا
وصلنا إلى محطة البصات في حلفا القديمة عند الساعة الرابعة والنصف بعد حوالي (12) ساعة من انطلاقتنا من الخرطوم.. جررنا أنفسنا جراً من مقاعدنا الضيقة والركاب ما بين ممسك بظهره ومحرك لساقيه.. حملنا حقائبنا، مضى بعض الركاب مع ذويهم  وآخرون إلى الفندق الذي سيبيتون فيه قبل مواصلة السير في اليوم التالي إلى جمهورية مصر العربية.
وحسب ما عرفت من السائق أنه يمنع سفر البصات ليلاً في السودان ولكن في مصر يواصلون السفر عند المساء.
*في سوق حلفا
إنها السابعة و(40) دقيقة من صباح اليوم الثاني للرحلة، لا زلنا في سوق حلفا ننتظر ركوب البصات، المكان ملئ بالسيدات من مختلف الأعمار، يبدو أن الرحلة معتادة بالنسبة لهن، وضعن حقائبهن بالقرب من بوابة وكالة السفر وبدأن يرتشفن القهوة.. سألت موظف الوكالة الجالس قربي فأخبرني أن أغلبهن يعملن في التجارة ويسافرن من (4-6) مرات سنوياً وربما أكثر.
*لا يسمح للبصات السودانية بدخول الحدود المصرية
حملنا حقائبنا وأدخلناها في البص، السائق ليس هو نفسه الذي أوصلنا إلى حلفا ولا البص الذي سبق وحجزنا عليه تذاكرنا، السائق مصري الجنسية وتغير اسم شركة السفر بشركة مصرية.. عرفت من  الركاب أن البصات يتم تبديلها وتبديل سائقيها في حلفا بالتنسيق بين شركات سفر سودانية ومصرية، لأنه لا يسمح بتحرك بصات الركاب التابعة للشركات السودانية بالدخول إلى الحدود المصرية، بينما يتساهل الجانب السوداني في ذلك ويسمح بشحن البصات المصرية من داخل سوق حلفا!
*معبر أشكيت
بعد حوالي نصف الساعة وصلنا إلى مدخل معبر أشكيت البري الذي يقع في الحدود الشمالية لجمهورية السودان ويحادد من الناحية الشمالية ميناء قسطل المصري.
نزل الركاب وأنزلوا حقائبهم التي كانوا قد شحنوها في البص قبل نصف ساعة في سوق حلفا، أحد الركاب تساءل في تبرم: (أرفعوا الحقائب.. أنزلوا الحقائب، لماذا لا يتم التنسيق بين المعبر والمحطة وشركات البصات لتقنين هذه المسألة وتسهيلها على الركاب؟!).. دخلنا إلى صالة عند مدخل معبر أشكيت  لاستقبال المسافرين، جلسنا ووضعنا حقائبنا في صف، وبعد حوالي (20) دقيقة دخلنا صالة أخرى، مقاعدها مريحة وحولنا مجموعة من اللافتات التي توضح الضوابط والإرشادات اللازم إتباعها بصورة ميسرة وبسيطة.
وضعنا حقائبنا في صف آخر وبدأنا إجراءات السفر عبر النافذة الموحدة لمعبر أشكيت، مررنا بعدة نوافذ دفعنا رسوم النقل والمحلية ومررنا نحن وجوازاتنا وتذاكرنا وكرت الحمى الصفراء من شباك الصحة إلى الأمن وغيرها.. جلسنا مرة أخرى وانتظرنا اكتمال إجراءات البقية.

*تفتيش يدوي للعفش!!
بعد اكتمال الإجراءات انتقلنا إلى صالة المغادرة، وضع الركاب حقائبهم على مسطبة طويلة يصطف خلفها المسافرون، وأمامهم أربعة موظفين يقومون بتفتيش العفش يدوياً، بعض الحقائب لم يتم تفتيشها، وأخرى فتحت وأغلقت مرة أخرى، وكان المسؤولون يعتمدون على حدسهم البشري فقط في التفتيش، دون الاستعانة بأي جهاز في وقت بلغت فيه تقنيات الأمن والسلامة مبلغاً عظيماً في العالم!.. انتقلنا بعدها إلى غرفة التفتيش الشخصي ومنها إلى البصات مرة أخرى لنقوم بشحن حقائبنا للمرة الثانية خلال ساعة.
*سلع مخالفة
لاحظت المحررة كميات من كريم الشعر الأثيوبي والتي تم تمريرها من قبل المسؤولين رغم كونها من السلع الممنوعة من المرور، بالإضافة إلى بعض السلع المحلية من حناء وبخور.. كما أكد المسافرون لـ(المجهر) أنه يتم إدخال سلع مخالفة أيضاً من مصر عبر المعبر مثل الجبن.. وبالفعل شاهدت عدة كراتين جبنة عند زيارة المعبر بعد عودتي لحلفا وأخبرني مصدر عليم بأن ملكيتها تعود لموظف في المعبر.
*في الجانب المصري
بعد بضع خطوات من مخرج معبر أشكيت السوداني، يقع معبر قسطل المصري، عند وصولنا لبوابة قسطل قام ضابط مصري بالمرور على جوازات الركاب، وقفنا حوالي (25) دقيقة، تبرم الركاب وهم يتساءلون عن سبب التوقف، ثم بدأوا بالحديث عن زيادة رسوم العبور عبر معبر قسطل من (50) جنيهاً إلى (90) جنيهاً.
*تحصيل رسوم بدون إيصال وتجاهل للركاب
طلب سائق المركبة من الركاب أن يتبرع أحدهم لجمع (90) جنيهاً من كل راكب، (60) رسوم عبور و(30) رسوم حجر صحي، منحنا إيصالاً عن الـ(60) جنيهاً فقط، ولم نمنح أي إيصال يفيد بأننا دفعنا (30) جنيهاً للحجر الصحي، الأمر المخالف قانونياً، حيث يتوجب أن يقابل أي دفع لرسوم حكومية إيصال مالي.
قبل دخول المعبر مرر رجل على رؤوس جميع الركاب جهازاً دون أن يكلف نفسه بالتعريف عن نفسه وعن الجهاز الذي يحمله، رغم تساؤل الركاب،عرفنا وهو خارج من البص أنه موظف الحجر الصحي، حيث كتب في الجانب الخلفي لقميصه ذلك، الأمر الذي يطرح تساؤلاً حول توافق هذا الموقف مع حق أي إنسان بتعريفه بالإجراء المستخدم معه في أي ظرف كان، وتماشى ذلك مع حقوق الإنسان؟!
بعدها عبرنا بوابة معبر قسطل، لنهبط من البصات ومعنا حقائبنا مرة أخرى، وعندما بدأ الركاب بحمل حقائبهم لإدخالها عبر السير، وقف أحد الموظفين المصريين وهو ينادي على الركاب: (كل راكب يدفع 15 جنيه مصري أو عشرين جنيه سوداني)، سألته: لماذا؟، فقال: إنت مش عايزة تدخلي عفشك السير؟!.. دفع الجميع المبلغ وأدخلوا العفش
في السير ليخضع للفحص الآلى وأعطاهم الموظف تذكرة مكتوباً عليها (15) جنيهاً، وبمجرد وضعهم للعفش في السير جاء موظف آخر وجمع التذاكر من المسافرين، وبذا لا يمكن للركاب أن يثبتوا أنهم دفعوا أي رسوم غير الـ(60) جنيهاً التي منحوا إيصالاً حكومياً يثبتها، أما الـ(45) جنيهاً الأخرى فلا وجود لأي إيصال مالي يثبت تسلم المعبر المصري لها، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً حول التلاعب المالي في معبر قسطل.
*أكثر من (4) ساعات مهدرة!!
بعد مرور الحقائب عبر السير وقف الركاب يحملون حقائبهم تحت أشعة الشمس لأكثر من (3) ساعات في انتظار الفحص اليدوي للجوازات في معبر قسطل، حيث لا زال المعبر المصري غير مزود بنظام آلي للتحقق من الجوازات.. وبعد الثلاث ساعات حمل الركاب حقائبهم مرة أخرى وادخلوها للبص للمرة الثالثة منذ بداية الرحلة.. جلسنا في البص الذي لا زال متوقفاً، وعند سؤالنا عرفنا أن السلطات الأمنية في المعبر تحفظت على راكب مصري للتحقيق معه وصادف أنه الراكب الوحيد الذي رفض دفع الرسوم باعتباره راكباً مصرياً على حد قوله.
انتظرنا لقرابة الساعة، حتى عاد الراكب الناقص.
*هل قسطل المصري داخل الحدود السودانية؟!
بعد خروجنا من بوابة المعبر المصري، جلست أراقب الطريق لأجد إشارات توضح أننا لا زلنا في حلفا، الأمر الذي أثار الحيرة في نفسي، هل ضل البص الطريق أم أن المعبر المصري الذي قضينا فيه أكثر من أربع ساعات والموظفون المصريون يدققون فيه على جوازاتنا ودفعنا خلال عبورنا به (105) جنيهات مصرية أغلبها بدون إيصال.. هل يقع هذا المعبر المصري في أراضٍ سودانية؟!
قاطع شرودي صوت الركاب وهم يثيرون نفس التساؤل، ويجزم أغلبهم بأن المعبر داخل الحدود السودانية، حملت سؤالي في هذا الصدد لكل المسؤولين السودانيين الذين ألتقيتهم في البلدين والذين اختاروا الصمت والتهرب من الإجابة أو إنكار المعرفة بذلك!! ويبقى السؤال مطروحاً: (هل معبر قسطل المصري داخل الحدود السودانية؟).. ولماذا؟!
*واصلنا الطريق..
لافتة مكتوب عليها وادي حلفا (35) كيلو.. بعدها بدقائق
وصلنا إلى عمدية قسطل- وادي النيل، بعد نصف ساعة صعد البص الذي يقلنا وبصان آخران وسيارتان إلى العبّارة التي عبرت بنا النهر إلى ميناء "أبو سمبل".. خلال حوالي ساعتين وبعدها أربع ساعات في الطريق عبوراً بمدينة توشكا إلى أسوان التي وصلناها عند الثامنة مساءً.
                                                       
في الحلقة القادمة سنتحدث عن كواليس رحلة العودة عبر هيئة وادي النيل وحجم المعاناة التي يصطدم بها المواطن السوداني في ميناء السد العالي شرق، بجانب قصص ومآسي وبكاء نساء حار بهن الدليل!

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

قيم هذا المقال

0