انتظار السماء

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الإيمان الحقيقي واليقين الذي لا يخالطه الشك أن يبذر المرء حبة الذرة أو الفول على الأرض اليابسة وهو لا يملك من الدنيا غير شهادة (لا إله إلا الله)، واليقين بأن الرزق عند علام الغيوب وينتظر رحمة الله وقدرته في سريان الرياح وظهور السحب في السماء ونزولها ماءً يسقي الأرض بعد جفافها.. وتتبدل حالها من حالٍ لأخرى وينبت الزرع ويرتوي الضرع ويحيي الله التراب الميت.
المزارعون في القطاع المطري هم أكثر عباد الله قرباً إليه وإيماناً بقدرته ورحمته.. وخير المؤمنين المتوكلين، ذلك هو حال أكبر قطاع من المزارعين في بلادي.. من الذين ينتجون آلاف الأطنان في هبيلا والقضارف وسنجة والمقينص بالنيل الأبيض إلى المزارع الذي ينتج خمسة جوالات من الذرة وعشرة جوالات من الفول وجوال من الويكة وثلاثة جوالات من اللوبيا، ويمتطي حماره متجولاً بين القرى فرحاً بنعمة الله عليه، يغنى ويزوج ابنه وابنته ويشعر بأنه أغنى الناس في هذه الحياة وأعزهم وأرفعهم مقاماً.. والمزارع الذي ينتج عشرة جوالات من الذرة يقيم صلاة الشكر بطريقته الخاصة يرفع يديه لرب السماء حتى يظهر بياض أبطيه كما كان يفعل المصطفى" صلى الله عليه وسلم"، بينما في المدن من يملك عمارة وسيارة وفائضاً في قوته وفائضاً في مسكنه وملبسه يظل ساخطاً متضجراً من قسوة الحياة وقطوعات التيار الكهربائي وسوء تصريف مياه الأمطار.
عدت أمس من كردفان بعد زيارة لمدة يومين.. والطريق لكردفان يعبر النيل الأبيض ثم شمال كردفان وصولاً لكردفان الجنوبية التي تعيش حالة سلام مفخخ وترقب وحذر وخوف، ولكن حتى يوم أمس السادس عشر من يوليو لا يزال المطر شحيحاً والسماء صافية والأرض جرداء.. والأبقار تبحث عن العشب الأخضر وبالكاد تجد ما يسد رمقها.. مسحات واسعة جداً من الأرض تم تحضيرها بالجرارات الحديثة.. وفي المساء تسقط أضواء الوابورات على الأرض الحمراء.. والمزارعون يبحلقون في السحاب الراحل.. يكاد أحدهم أن يقبض بيده السحاب في عليائه ويرغمه على نثر قطرات الماء على الأرض التي تنتظر المطر، خاصة وقد كان الموسم الزراعي السابق دون الوسط في كثير من المناطق ووسط في البقية.. لكن المزارع يظل يقينه بالله ثابتاً.. لا ينقطع رجاؤه ولا ينال منه اليأس والإحباط.
حتى الأسبوع الثاني من يوليو هذا العام والفول لم يزرع بعد والدخن لم ينبت والذرة في انتظار هطول المطر.. والمشاريع الزراعية في ظل كساد سوق الذرة فإن والياً على ولاية القضارف ضاق صدره بكثرة مطالبات المزارعين بفتح أسواق صادر جديد، فطالب المزارعين بزراعة محصولات أخرى غير الذرة، ولكن تضيق خيارات المزارعين ولا تتسع في كل يوم وتتمدد الثروة الحيوانية على حساب الزراعة، وفي كل ولاية وزارة زراعة لا خيراً عندها تهديه للمزارعين إلا بعض التقاوي غالية الثمن، ودائماً ما تصل التقاوي بعد (فوات الأوان)، وفوات الأوان هو حلول شهر أغسطس، وكثيراً ما يتحدث وزير الزراعة في ولاية ما عن نجاح الموسم الزراعي وزراعة (......) ألف فدان دون أن يكون للحكومة أي فضل في زراعة تلك المساحات.. حتى الأمن فمسؤولية المزارع حماية نفسه ومحصوله.. الشيء الوحيد الذي تقدمه الحكومة للمزارع يوم الحصاد توفير الخيش وموظفي الزكاة والضرائب.. يقول علماء الأرصاد إن الخريف قصير والأمطار فوق المعدل لكنها لم تبلل الأرض حتى اليوم.. نسأل الله أن ينزل الغيث ويروي الأرض بعد ظمئها.


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

قيم هذا المقال

0