العميد (م) "صلاح كرار" في حوار مع (المجهر السياسي) حول آثار رفع العقوبات الأمريكية على الاقتصاد:

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

لن يكون لرفع العقوبات أي أثر إيجابي على الاقتصاد ولا علاقة لسعر الصرف بالأمر
الحكومة ما (عايزه) تقول للناس ما في شيء (جاييكم) ما تفرحوا.. قالت (خليهم) يفرحوا.. وواقعية "غندور" أعجبتني
 القضية المُلِحَّة الآن هي منع تصاعد سعر الصرف بهذه الصورة المزعجة الحادثة الآن
 كانت لدينا شمَّاعة جميلة انكسرت، لكن سنغيِّرها بواحدة جديدة هي شمَّاعة آثار العقوبات

لازال قرار رفع العقوبات الاقتصادية  التي فرضتها أمريكا على السودان منذ عشرين عاماً، يثير مشاعر شتى في كل الأوساط، مثلما يثير جدلاً حماسياً بشأن فحوى القرار ومدلوله، والآثار المترتِّبة عليه. وهو جدل شارك ويشارك فيه الجميع، لأنه كانت ثمة قناعة واسعة، بأن تلك العقوبات هي السبب في تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد. ومع رفع تلك العقوبات، ازدهرت الآمال في حدوث انفراج وشيك في الأوضاع المعيشية المتدهورة. العميد (م) "صلاح الدين محمد أحمد كرار"، عضو اللجنة الاقتصادية، له رؤيته الخاصة حول الموضوع. ففي تقديره، أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرَّد شمَّاعة جميلة، كانت عندنا وانكسرت، وأنه يتعيِّن علينا أن نغيِّرها بواحدة جديدة هي شمَّاعة آثار العقوبات. ونفى أن يكون للقرار أي مردود سوى المردود السياسي. وقال: (الحكومة ما (عايزه) تقول للناس ما في شيء (جاييكم)، وما تفرحوا). وقدَّم "كرار" - خلال الحوار التالي الذي أجرته معه (المجهر) - عدة مقترحات للعمل ضمن ما أسماه بالبيئة الجديدة التي وفَّرها القرار.
حوار – سوسن يس
*سعادة العميد ما الأثر الذي سيحدثه قرار رفع العقوبات الاقتصادية على الوضع الاقتصادي بالبلاد وعلى سعر الصرف  .. هناك نشرات وإعلانات انتشرت تبشِّر وتُعلن عن انخفاض سعر الصرف نتيجة  لرفع العقوبات، فهل يؤدي رفع العقوبات إلى انخفاض سعر الدولار بالفعل؟.

أولاً، لا علاقة لانخفاض وارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي (الأسود) برفع العقوبات.. العامل الأساسي الذي يحكم سعر الصرف هو الطلب، و يتصاعد الطلب عندما تعجز الصادرات  عن تغطية الواردات، فيلجأ الاقتصاد إلى تغطية الفجوة من السوق الأسود.. الفجوة الآن أكثر من أربعة مليارات دولار، تغطي من السوق الأسود، وكلما زاد الطلب ارتفع سعر الدولار في السوق الأسود والعكس صحيح.. أنا افتكر الآن مطلوب من الحكومة ومطلوب من الدولة ومطلوب مننا جميعاً، باعتبارنا جزء من الدولة، أن نعمل في هذه البيئة الجديدة التي تحققت، وهي بيئة أصبحت متعافية و لم تعد هناك قيود على تعاملنا مع النظام المصرفي العالمي، مطلوب مننا أن نعمل على منع تصاعد سعر الصرف..  فالمستثمرون الآن في هذه البيئة الجديدة  من الممكن أن يأتوا إلينا.. ولكن إذا لم يتحقق استقرار اقتصادي لن يأتي أحد.. أنا أفتكر أن القضية المُلِحَّة الآن هي منع تصاعُد سعر الصرف بهذه الصورة المزعجة الحادثة الآن.

# وكيف السبيل إلى استقرار سعر الصرف؟ ترى هل في مقدور الدولة أن تسيِّطر على سعر الصرف وأن ترفع من قيمة الجنيه؟.
- إذا أردنا استقرار سعر الصرف فالأمر برأيي سهل جداً ويتم بالآتي : خفض الطلب الحكومي على الدولار، فالحكومة هي أكبر مشترٍ  للدولار من السوق الأسود ولأغراض غير ضرورية، ضبط صرف الأجهزة الحكومية وإيجاد آلية لمراقبة إيراداتها ومنصرفاتها وضبطها، إلزام شركات الاتصالات باستثمار جزء من أرباحها داخلياً في شكل ودائع و صكوك حكومية بدلاً عن تحويلها للخارج من السوق الأسود، مراجعة الصرف على الوفود الحكومية وحجم التمثيل الدبلوماسي بالسفارات والأجهزة الملحقة بالسفارات، مثل الملحقين العسكريين و الأمنيين والإعلاميين والاقتصاديين و التجاريين والثقافيين وهلم جرا.. وكل هذه الإجراءات التي ذكرتها لا أعني أن تكون إلى الأبد، ولكن لفترة محدودة تمكِّن الاقتصاد من التوازن والانطلاق وتمكِّن الدولة من السيطرة على سعر الصرف.. هذه سياسات من الممكن القيام بها وهي  سياسات لا يتولَّد عنها دعم ولا فجوات، ولكنها تحتاج لالتزام من الدولة كلها.. و هذا غير موجود.
# يقال إن المسيِّطر على الجنيه الآن و على سعر الصرف هو لوبي من تجار العملة فما مدى صحة هذا الكلام؟ ومن المتحكِّم أكثر في مصير وفي مستقبل الجنيه السوداني الآن، هل هي الدولة،  التجار أم من؟.

- الجنيه مصيره ومستقبله في يد الدولة، و إذا الدولة لم تقم بإدارة الاقتصاد بطريقة فعَّالة سينسحب البساط من تحت يدها إلى يد التجار.. العملة الآن أصبحت سلعة مثل السلع النادرة وسعر السلع يرتفع عندما يكون الطلب على السلعة أكبر من المعروض وهؤلاء تجار، فمن ناحية أنهم مسيِّطرين هم مسيِّطرين، لكن من الذي جعلهم مسيِّطرين؟ من جعلهم مسيِّطرين هو الطريقة التي تدير بها الدولة الاقتصاد، فكلما عملت الدولة على التقليل من الطلب على هذه السلع المزعجة كلما اعتدل سعرها، وكلما عملت على زيادة الطلب ارتفع سعرها، يعني الدولة إذا لم ترتِّب أمورها ولم تقم بإجراءات لتخفيض الطلب على الدولار، فالأمر لن يكون في يدها.. طبعاً هناك حجة يقولها المسؤولون في الدولة، ولكنها حجة مردودة، يقولون: طيب لو أنا قمت بتخفيض الطلب على الدولار بنسبة (2) مليار دولار، هذا سيقلِّل الضرائب ويقلِّل الجمارك.. يا أخي انخفاض الضرائب والجمارك مقدور عليه ويمكن معالجته عبر معالجات أخرى في الاقتصاد، عبر موارد شركات الاتصالات مثلاً، كما قلت لك، هذه موارد ضخمة جداً جداً، يمكن أن تدخل في النظام المصرفي ودائعاً ويمكن أن تمنع حدوث التضخُّم.

# كيف يمكن منع حدوث التضخُّم عبر موارد شركات الاتصالات؟.

التضخُّم كيف يحدث؟ لو افترضنا أن الدخل الناتج عن صادراتنا يبلغ (4) مليارات دولار، فهذه الأربعة مليارات، دولار، عندما تصل البنوك (الناس ما بشيلوها دولارات يحوموا بيها في السوق، ولكن يتم تحويلها لجنيه سوداني.. فمن المفترض أن يكون لدينا من العملة السودانية ما يساوي قيمة الأربعة مليارات، دولار هذه ..هذه عملة سودانية حقيقية يقابلها سلعة، أي يقابلها دولار،     وبحسب النظام المصرفي العالمي و حسب موجهات صندوق النقد الدولي أنت مسموح لك بأن تستدين (20%) في العام من إيراداتك، فهذه النسبة لا تؤثر كثيراً على التضخُّم، فإذا قمت بتجاوز هذه النسبة وطبعت عملة بنسبة أعلى من (20%)، فهذه ستكون أموالاً غير حقيقية لا تقابلها سلعة، أي لا يقابلها دولار و بالتالي سيحدث التضخُّم. إذا كنت تريد أن تتفادى حدوث التضخُّم يمكنك فعل ذلك عبر أموال شركات الاتصالات.. شركات الاتصالات تبيع خدمة ونتيجة لهذه الخدمات التي تقدِّمها للناس لديها أموال حقيقية ترليونات الجنيهات، وبعد خصم  منصرفاتها المتبقي أرباح عالية جداً تذهب دولار إلى الخارج إلى المساهمين   .. (فأنت قول ليهم طالما أنا خفَّضت الطلب على الدولار وبالتالي الجمارك و الضرائب انخفضت أنا سآخذ منكم ودائع أغطي بها الفجوة، وبهذا لن يحدث أي تضخُّم، لأن هذه أموال حقيقية مصدرها حقيقي.

# إذاً لن يكون لرفع العقوبات مردود على مستوى المعيشة ولا على سعر الصرف .. وليس هناك سبب يدعو لكل هذا الفرح والتفاؤل الذي يبديه الناس الآن؟.
- لا اعتقد أن هناك أي مردود سوى المردود السياسي. فنحن برفع هذه العقوبات دخلنا النظام المصرفي العالمي الذي كنا محرومين من الدخول فيه بفعل هذه العقوبات.
# وماذا يعني دخولنا في النظام المصرفي العالمي.. ألن يكون لهذا الدخول أثر إيجابي على الأوضاع الاقتصادية؟.
- قبل رفع العقوبات كان لا يمكننا التحويل عبر النظام المصرفي العالمي،    ولو كان لديَّ طالب في أمريكا أو في أوروبا الشرقية أو غيرها، وكنت أريد أن أقوم بتحويل ألف دولار، لهذا الطالب فهذا المبلغ كان يذهب إلى مقاصة نيويورك وفي المقاصة بمجرَّد أن يجدوا أن الجواز الذي حوِّل عبره المبلغ سوداني يتم مصادرة المبلغ، والآن نحن لدينا نحو (400) مليون دولار، تمت مصادرتها.. لكن الآن أنا بإمكاني أن أذهب إلى البنك وأقوم بتحويل أي مبلغ لأي مكان ولن تتم مصادرته.. قبل رفع العقوبات الناس كانوا يلجأون لأشخاص من معارفهم ليقوموا بتحويل المبالغ لأقربائهم سواءً للعلاج أو للطلاب أو هناك صرَّافات في الخليج تقوم بالتحويل، لكن تأخذ نسبة عالية جداً مقابل تحويل المبلغ.

# ألا يؤثِّر دخولنا في النظام المصرفي العالمي تأثيراً إيجابياً على الاقتصاد أو على سعر الصرف؟.
- لا يؤثِّر، ولكن يقلِّل التعقيدات والزمن الذي كان يفقد في تحويل المبالغ، هذا فقط هو التأثير، وهذا نتيجته لن تصُب في صالح الحكومة وإنما في صالح التجار، و لا اعتقد أن التجار سيعكسونه على حياة الناس، (يعني ما حيقولوا يا خي عندنا عشرة دولارات نقصت حننقص ليكم السعر). هذا لن يحدث.

#  في تقديرك هل الحكومة تعاملت مع قرار رفع العقوبات بواقعية.. أم أسرفت في الأحلام والآمال؟.
والله بحسب قراءاتي أكثر شخص كان واقعياً وتحدَّث بواقعية وأعجبني حديثه هو  بروف "غندور".. "غندور" كان واقعياً جداً، لم يبشِّر الناس بأن (خلاص الانفراج حيحصل).. ولكنه ذكر بأن هذه مرحلة تقود لمرحلة قادمة أهم والتي هي رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والتي تفتح الباب نحو إعفاء الديون.. فهذه مسألة مهمة جداً، وإذا لم يتم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حتى الاستثمار الذي نعوِّل عليه لن يأتي بصورة منفتحة و كبيرة، سيأتي مستثمرون في مجالات صغيرة ولن يأتي استثمار في مجالات إستراتيجية.
# إذاً أنت لا تتوقع أن تنفتح أبواب الاستثمار مع رفع العقوبات الاقتصادية الحالية؟.
- لن يحدث بالسرعة التي أريدها، لأن هناك الكثير من المعوِّقات أولها الاقتصاد وسعر الصرف غير المستقر، فالمستثمر الذي يأتي إلى البلاد بـ( 100) مليون دولار، أو مليار دولار، ليستثمرها في مشروع، وسعر الصرف (20) ج، ماذا سيفعل إذا استثمر هذه الأموال وحوَّلها إلى عملة سودانية وحققت له أرباحاً ثم تفاجأ بعدها بأن سعر الصرف وصل إلى (50) جنيهاً ؟ ماذا سيستفيد ؟ من أهم شروط الاستثمار أن يكون هناك استقرار اقتصادي وخلق البيئة الاقتصادية المستقرة هو مفتاح أي تنمية وأي تقدُّم و تطوُّر. وهذا الكلام الذي يقولونه في الإعلام الآن.. الحكومة طبعاً ما (عايزه) تقول للناس ما في شيء (جاييكم) وما تفرحوا).. تقول (خليهم) يفرحوا.
لكن الشيء المؤسف الذي نقوله ونرجو أن لا يكون صادماً للناس:(نحن والله زمان كان عندنا شماعة سمحة جداً جداً.. أي زول يشكي من شيء كنا نقول له: والله العقوبات، (هسه) طبعاً بعد (شوية) سنغيِّرها وسنقول والله آثار العقوبات يا أخوانا، (أنتوا عايزين) آثار عقوبات عشرين سنة تزول في سنة واحدة)؟.



الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

قيم هذا المقال

0