العالم في 2018

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

انداحت بداية فجر الأسبوع الأول من العام 2018 وأهل السودان في حالة أقل ما يوصف بها أنها حالة المتشائل (المتشائم المتفائل). فقد حملت لهم موازنة 2018 رسائل متعددة في جوانبها الاقتصادية، كما وهم يتمعنون في انعكاسات انتخابات نقابة قبيلة الحقوق والعدالة وما تحمله من رسائل ترتبط بصورة مباشرة بمسيرتنا نحو انتخابات 2020. وفي الحالتين لا يستقيم الأمر إلا بالنظر في أحوالنا في نطاق العالم الذي نعيش فيه ونتفاعل معه، إجباراً لا خياراً، فهو الإطار الذي تتشكل فيه القوى الإقليمية والدولية بأولوياتها وبانعكاساتها وتحدياتها على واقع البلاد والعباد.
وفي أية محاولة لاستقراء وقائع العام الجديد في عزلة عن مؤثراته وازدياد وتيرة الاعتماد المتبادل للأوضاع من اليابان شرقاً وإلى كاليفورنيا شرقاً، وتقاطعاتها الأفقية والرأسية لن ننجح في تقديراتنا لها. لذلك لا يمكن فهم الواقع الدولي والإقليمي إلا من خلال النظر بعين طائر يحلق على مجموعات من القضايا التي تربط دول العالم وتحدد بالتالي مسارات المصالح بأبعادها كافة. في الوقت الذي أصبح فيه، وبصورة متصاعدة، من الصعوبة فصل التقاطعات السياسية عن المسارات الاقتصادية أو الترتيبات الأمنية من المهرجانات الثقافية...الخ.
في كل أنحاء العالم نجد أن النظم التي كانت سائدة منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة قد انهارت تماماً. وكل القناعات برسوخ نظم الحكم والإدارة ذهبت مع عواصف الأزمة المالية التي اجتاحت العالم في 2008، وآثار انخفاض أسعار النفط خلال 2014. وخلال عقد كامل من الزمان فشلت كل المحاولات لتجاوز آثار هذه التحديات. وما تزال تعكس مساراتها على تطورات الأوضاع ونحن في بداية عام جديد يحمل بين طياته تحديات جديدة وأكثر تعقيداً.
في العام المنصرم شهدنا بعض ملامح زعزعة الأوضاع التي كانت سائدة قد بدأت تدخل مرحلة الاستقرار التدريجي (كالأوضاع في أفغانستان والعراق)، بينما أخرى تراجعت للأسوأ (جنوب السودان)، وأخرى تتمدد محرقتها (سوريا وليبيا)، وبعض آخر برز ببشاعة من بين أنقاض الأخرى (اليمن). ولكن المحصلة مع بداية 2018 هي أن ليس هنالك بعد مظهراً واحداً يحدد معالم النجاح لأي نظام أو ترتيبات حول العالم. خاصة في تجاوز حصار تحديات أزمات مزمنة وعسيرة ومتناسلة. ولعل أوضح مثال لذلك هو أنها تعمل بشدة في تشكيل الأوضاع في مراكز الثقل الرئيسة؛ خاصة في تحديد مستقبل أوروبا والتأثير على صعود الصين المتواصل وتحدي الترتيبات العسيرة الجارية لأوضاع الشرق الأوسط.

{ نزاعات أوروبية
الاتحاد الأوروبي يواجه منذ 2008 تحديات متزايدة، لعل أبرزها المواجهة السافرة للمرجعية التي على أساسها تم توحيد دوله تحت رايته كنموذج يحتذى بأبعادها كلها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. فقد أصبح من الواضح الآن أن كل الآليات الجاذبة للاندماج والتكامل للنظم المالية والقنوات التنظيمية والأجهزة التشريعية قد واجهت تحديات عسيرة واختلافات ومواقف متباينة بدأت تنخر في جسد الوحدة الأوروبية، بل تثير عدداً كبيراً من الخلافات التاريخية وتنبش في ماضي العداوات التي مزقت الوحدة الأوروبية ولقرون خلت. كما أن الأزمات الاقتصادية كشفت عورة التمايز بين اقتصاديات الدول الغنية وعلى رأسها ألمانيا، التي تراخت أو حتى رفضت دعم وعون وإنقاذ الاقتصاديات الأقل قوة مما دفع بها إلى ساحات المواجهات السياسية وتصاعد النعرة الوطنية والعرقية. كما انعكست على مواقف الفئات الاجتماعية في كل دول الاتحاد الأوروبي وتصاعد تحديها لسيطرة قيادة الاتحاد المركزية في بروكسيل (بلجيكا) على مقاليد الأمور. ولعل اليوم، بعد ما حدث إبان الأزمة الاقتصادية في اليونان، وهي ذبذبات الأزمة الجارية في بريطانيا وعدم قدرتها على الوصول إلى ترتيبات مقبولة لإكمال إجراءات طلاقها من الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت الذي ارتفعت وتيرة التأييد داخل بريطانيا لإكمال هذا الطلاق البائن ومهما كانت التكلفة، وفي الوقت نفسه فقد الاتحاد الأوروبي مصداقيته وبريقه خاصة في دول وسط وشرق أوروبا، وزاد اهتمامها بالحفاظ على هويتها الوطنية والاحتفاظ بعملاتها والحرص على تشكيل أنظمة حكمها الداخلي لدعم موقفها التنافسي تجارياً واقتصادياً على ضوء توجساتها من عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على إنجاز خططه على المستويين المتوسط والطويل.. يمكننا أن نقول إن عام 2018 سيشهد تصاعد مظاهر الاحتفاظ برموز وسياسات تأكيد السيادة وتعزيز مواقف القوى الوطنية المعادية أو التي ترتاب في دوافع الوحدة الاندماجية الأوروبية وتكلفتها.

يزيد من تعقيد المشهد الوضع الاقتصادي المتراجع وبطء النمو التجاري وتصاعد قوى اليمين المتطرف والنزعات الانفصالية (الباسك، كاتلونيا، أسكتلندا، إيرلندا)؛ مع الفشل المستمر لقيادة الاتحاد الأوروبي البيروقراطية في التوفيق بين المصالح المتعارضة للدول الأعضاء فيه. ولذلك، ومع مرور ما يقارب العقد من الزمان سيدخل الاتحاد الأوروبي عام 2018 وهو غير قادر على تجاوز آثار انهيار اقتصاد العالم في 2008، وهو بالتالي غير قادر على الوصول إلى قرارات جماعية وازدياد النعرات القومية والعرقية داخل العديد من الدول الأوروبية، لا نتوقع خلال 2018 أن تتسارع هذه المؤثرات والتحديات بصورة كبيرة. وبالتأكيد لا نتوقع تكرار تجربة الطلاق الأوروبية في دولة أخرى. ولكن في الوقت نفسه لن نشهد تراجعاً ملحوظاً في كل التحديات التي أشرنا إليها آنفاً، حيث ستركز قيادة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع الواقع الماثل من خلال إستراتيجيات دفاعية وحزم مسكنات حتى توقف تدهور الأحوال أمام هذه التحديات المعقدة.

{ الصين تطمح في قيادة العالم
من جهة أخرى، يستمر التنين الصيني في تعزيز صعوده التدريجي للقمة ولو بقدر من التحفظ والتمهل تحت ظل قيادة تحركها نوازع وطنية طموحة. فالصفوة الصينية الحاكمة وعلى مر تاريخها كانت دائماً تخشى من انهيار سلطتها المركزية. وكما في أوروبا فإن التحديات التي تواجه بكين منذ 2008 ما تزال ماثلة خاصة بتأكيدها أن وتائر صعود النفوذ والنمو الاقتصادي ليست مطلقة ومن دون عقبات وكوابح. فالنظام الحاكم وجد نفسه بين الواقع الاقتصادي المتراجع والإفرازات السياسية المصاحبة له، فهي لا يمكن أن تحافظ على مواصلة توازن النمو الاقتصادي المؤسس على قاعدة التصدير والتكلفة الرخيصة للعمالة، في الوقت الذي لم تتوفر فيه بعد طبقة وسطى قوية وقادرة على رفع نسبة الاستهلاك الداخلي للمستوى الذي يمكن من حمايتها من تراجع أسواق الاستهلاك. وبالتالي الإصلاحات المطلوبة لتعديل أوضاع الاقتصاد ستكون مؤلمة جداً، بل وقد تؤدي إلى ارتفاع نسبة العطالة وتسريح عدد كبير من العمالة، مما سيؤثر على استقرار الأوضاع ويهز من مصداقية القيادة السياسية للحزب الشيوعي الحاكم. وقد حاولت القيادة الصينية الحالية أن تعالج الموقف عن طريق دعم كبير للنمو الاقتصادي بالاعتماد على القروض، بينما الحرص على مواصلة إجراء إصلاحات متواضعة. ولكن النتيجة كانت أن البلاد دخلت مرحلة ديون كبيرة خاصة في مجال الإسكان وعجزها عن معالجة الأسباب الحقيقية لتراجع وتيرة النمو الاقتصادي، لذلك ما تزال الصين تواجه خطر الاضطرابات والانتفاضات، ويعدّ ذلك الصداع المزمن للقيادة الحالية بعد انتهاء أعمال مؤتمرها الأخير.
وإن كان الحزب الشيوعي الحاكم قد استطاع تعزيز قوة الرئيس السابع منذ انتصار الثورة "شي جين بينغ" (من مواليد 1953)، وعلى الرغم من أنه لم يلتحق بالحزب الشيوعي إلا في العام 1974 ولكنه صعد سلم القيادة بسرعة وانتخب رئيساً للجمهورية في 2013، وعزز من قدرته على إزاحة منافسيه خلال 2017 وحرصه على التأكيد أن الصين تدخل "مرحلة جديدة" من النمو البطيء. ولكنه، من دون شك، أصبح أقوى رئيس للبلاد منذ غياب الزعيم التاريخي "ماو تسي تونغ". وبالطبع تمكنه من تعزيز قوته سببها اللعب على وتر المخاوف من انهيار البلاد، ودعّم من موقفه الاقتناع الراسخ للصفوة الصينية أن تحديات البلاد تحتاج لقيادة ملهمة وقوية، وأن المخرج الوحيد لتجاوز آثار الانهيار الاقتصادي خلال العقد الماضي كان هو نظام استبدادي قوي من خلال وسائل فاعلة وقوية تعزز من السلطة المركزية للدولة والحزب الحاكم.
سلبيات هذا الخيار الصعب لتعزيز سطوة ومركزية الدولة عديدة، ومن المتوقع أن تظهر خلال 2018 بعض صور التمرد عليه والاحتجاج على سطوته الفائقة. فالرئيس الصيني يحاول أن ينتهز الفرصة للمناخ السياسي الجديد والنمو المستقر للاقتصاد ليمرر حزمة مؤلمة من الإصلاحات، مثل تخفيض القدرة الصناعية وإدخال إجراءات للسيطرة على سوق العقارات سيخفض من النمو الاقتصادي مما يفتح الطريق لارتفاع نسبة البطالة وازدياد وتيرة الزعزعة والاضطرابات في الصين. في تقديرنا أن مؤسسة الرئاسة الصينية وقيادة الحزب الشيوعي تملك قوة كبيرة ودعماً سياسياً هائلاً، ولكن لن يمنع ذلك في الوقت نفسه من بروز أصوات الاحتجاجات والانتفاضات ولو على هامش البلاد.
{ عواصف الشرق الأوسط
إذا وجهنا نظرنا إلى الشرق الأوسط سنجد أنه سيظل خلال 2018 بؤرة الالتهاب الحاد والمستمرة وسيادة حالة العجز المزمنة في التعامل مع التحديات الخطيرة للاستقرار والسلام العالمي واشتعال بؤر جديدة للمواجهة. ومن حسن الصدف أن أزمة 2008 الاقتصادية كان أثرها محدوداً في الشرق الأوسط بالمقارنة مع أوروبا وآسيا وأمريكا، غير أن انخفاض أسعار النفط منذ 2014 واضطراب أسعار الطاقة المستمر دفع بآليات الحراك الاجتماعي والسياسي في كامل الإقليم. وحركت الانتفاضات الدموية بدرجات مختلفة من النجاح في أرجائه؛ ومهدت الأوضاع لبروز دولة "داعش" وانفجار الحروب الأهلية في سوريا وليبيا والعراق واليمن. كما ارتفعت حرارة المواجهات داخل الصفوة الحاكمة في دول مجلس التعاون الخليجي كافة ما انعكس سلباً على كامل الإقليم، وتصاعد المواجهات المحورية والاستقطابات بأطرافها التركية والإيرانية والإسرائيلية، في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة "دونالد ترمب" التراجع عن التزاماتها التاريخية في المنطقة.

نجاح حملة هزيمة دولة "داعش" خلق، في الوقت نفسه، فراغاً كبيراً في الحزام العراقي-السوري-الأردني لم تتضح آثاره الكاملة بعد. لذلك نتوقع في 2018 أن تكون هنالك مفاجآت في هذا الملف تتمثل في تصاعد الحملات الإرهابية في المنطقة، خاصة مع التعنت الإسرائيلي تحت الحماية الأمريكية وتوظيف إيران للاختلال الإستراتيجي في موازين القوى لتثبيت نفوذها. وعلى الرغم من انفجار موجة احتجاجات مستمرة في إيران إلا أنها لن تؤثر على إصرارها في استثمار الوضع الحالي وتعزيز نفوذها وركائز قوتها الناعمة. ومع استمرار الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي ستصبح فرصة طهران في 2018 أفضل في تعزيز نفوذها ووجودها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والساحة الفلسطينية. مما قد يفتح شهية كل من تركيا وإسرائيل للعب دور أكبر في ترتيب أوضاع المنطقة.
{ الصقر الأمريكي متقلب المزاج
تواجه أمريكا حصاد عقود من السياسات الخاطئة، ومشاكلها عميقة لم تزدها الإدارة الجديدة إلا تعقيداً بجرأتها ووضوحها الصادم. وعلى الرغم من أن الرئيس "ترمب" يواصل تنفيذ سياسة خارجية تقليدية في جوهرها إلا أنها ما تزال متحفظة، فهي لم تواجه النفوذ الصيني بحزم بعد ولم تهاجم عسكرياً إيران أو كوريا الشمالية ولم تغادر حلف الناتو أو تلغي التزامات أمريكا الأساسية، ولكنها تواجه انحساراً كبيراً في نفوذها في منطقة جنوب شرق آسيا. وخلال 2018 ستجد أمريكا نفسها أمام تحدي عدم رفع العقوبات عن روسيا خاصة وأن الكونغرس ما يزال يحقق في مدى تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مما سيرفع من حرارة المواجهة بين واشنطن وموسكو. وكذلك التحديات التي تواجهها مع الصين خاصة في مجال التجارة الدولية وكوريا الشمالية، وستجد الإدارة الأمريكية أن علاقاتها التجارية بكل من كندا والمكسيك تواجه صعوبات متجددة، وكل الاستطلاعات والدراسات تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي سيواجه مخاطر الركود بنهاية العام وبشكل واضح في 2019، ما سيعطل من دور كبير لأمريكا حول العالم ويضع ضغوطاً متزايدة على تراجع أمريكا عن التزاماتها حول العالم.

{ الدب الروسي يقاوم
خلال العام 2018 ستكون الأوضاع في روسيا أكثر تعقيداً ومتشابكة مع عدد من القضايا الدولية والإقليمية مما يصعب من التنبؤ باتجاهاتها. ومع ذلك فسياسات ومواقف موسكو تؤثر يومياً على واقع جغرافي وسياسي يمتد من اليابان شرقاً وإلى أواسط البلقان في أوروبا. وقد واجهت روسيا تحديات صعبة في 2017، لعل أصعبها هو التلاؤم مع انخفاض أسعار الطاقة (النفط والغاز)، وانعكاسات ذلك على اقتصادياتها وسياستها الخارجية والأمنية. ولكن التجربة التاريخية تدل على أن روسيا ترفع من وتيرة مواجهتها للدول الغربية في حالة تعقيد أزماتها الداخلية، لذلك تواجه روسيا خلال 2018 تحديات اقتصادية مزمنة وأمنية معقدة. وتنداح إفرازات تطورات الأوضاع في الأزمة الأوكرانية ومنطقة القرم واستمرار جهودها للصمود في وجه الحصار والمقاطعة الغربية، لذلك ستواصل روسيا حملاتها المتعددة مع الدول الغربية. ولكن واقع الأوضاع الاقتصادية والأمنية سيفرض على روسيا اللجوء لمنهج التفاوض والتنازل ومحاولة التوفيق في سياستها مع الشروط الغربية. وسيكون محور تركيزها في 2018 هو احتواء خطر النفوذ الصيني والإستراتيجية الأمريكية ممثلة في قيادتها لحلف الناتو، فهي تراقب بحذر السياسة الصينية في توسيع النفوذ في دول أواسط آسيا وتركيزها على مبادرة طريق الحرير الشهيرة ومحاولاتها الناعمة لاستعادة أراضيها التي صادرتها روسيا القيصرية. كما تواجه روسيا تبعات زواج المصلحة مع إيران فيما يتعلق بترتيبات الأوضاع في الشرق الأوسط أو وسط آسيا وتنسيقهما للحد من النفوذ التركي المتنامي في الإقليمين.
{ أفريقيا وخطر الحركات الجهادية
الأوضاع في أفريقيا، وعلى طول تاريخها، عصية على الاستقراء والتنبؤ بخواتيمها. فكل أقاليمها من القرن الأفريقي وإلى غرب أفريقيا أو جنوبها تتفاعل مع العالم في نطاق حزم من العوامل مختلفة، تتوافق مع ارتباطاتها التاريخية المتمايزة مع كتل العالم. ولكن من الواضح أن العالم الغربي سيزيد من اهتمامه بحزام السافنا الذي يمتد من الصومال شرقاً إلى بلاد شنقيط غرباً، حيث أصبحت هذه المنطقة في دائرة الاهتمام المكثف من العالم الغربي مع ازدياد نشاط المجموعات الجهادية الإسلاموية، وستصبح بالتأكيد هذه المنطقة محل اهتمام متزايد للعالم الغربي كمنبع للإرهاب ومصدر لموجات النزوح نحو أوروبا وحملات تهريب للبشر عبر الصحراء إلى سواحل البحر المتوسط، في الوقت الذي لا تملك فيه لا أمريكا ولا الدول الأوروبية إستراتيجية واضحة أو موحدة، ولم توفر بعد الإمكانيات الكافية لمواجهة هذه المخاطر. ولكنها ستسعى خلال 2018 لرفع منسوب ترتيبات التنسيق الأمني والدفاعي مع دول حزام السافنا.
وفي منطقة القرن الأفريقي سينعكس الصراع اليمني وازدياد النفوذ الإيراني وحدة المواجهات العلنية والسرية للسيطرة على مضيق باب المندب، والتأثير بالتالي على استراتيجيات أمن البحر الأحمر، وعلاقتها المعقدة بتأمين مسارات التجارة الدولية وأمن تدفق الطاقة إلى الدول الغربية. وسيتصاعد الصراع بين الصين والهند وتركيا وإيران وروسيا في مواجهة الوجود التاريخي للقوات والنفوذ الغربي في المنطقة، وسيشهد عام 2018 ارتفاع وتيرة الصراع والهرولة نحو ترسيخ النفوذ، مع تزايد الحديث عن الاتفاقيات السياسية والصفقات العسكرية والتجارية مع دول القرن الأفريقي. وعلى وجه الخصوص ستزيد الصين من وجودها البحري في سواحل القرن الأفريقي وستعزز في الوقت نفسه الهند وروسيا من دوريات أسطوليهما البحريين في المنطقة. سيحدث كل ذلك على الرغم من الوجود الأمريكي والفرنسي المحسوس في جيبوتي.
بصورة عامة، يمكن القول إن غالبية الدول الأفريقية الأخرى، بما فيها نيجيريا وغانا، سيكون تأثيرها في أحداث 2018 محدوداً للغاية. ولكن الوضع يختلف نسبياً بالنسبة لدولة جنوب أفريقيا، فهي ما تزال غارقة في مشاكل وصراعات داخلية تتعلق بقيادتها ونظام حكمها استعداداً لانتخابات 2019 مما يعطل من دورها بصورة ملحوظة ويرفع من وتيرة الاضطرابات داخلها.
{ أمريكا الجنوبية بعيدة عن عالمنا
وبالطبع نجد أن دول أمريكا اللاتينية تعيش كالعادة في عزلتها، وتأثيرها يكون في محيط نطاقها الجغرافي بعيداً عن أحداث العالم التي ترتبط بالسودان أو بإقليمنا بشكل مباشر. ومع ذلك فدولة بحجم البرازيل وقوتها الناعمة ستطفو على سطح الأحداث في 2018 مع تكثيف الاستعدادات لخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أكتوبر. وستتواصل اهتمامات العالم بمتابعة الترتيبات السياسية والاقتصادية في الأرجنتين في أعقاب الانتخابات التي جرت في الربع الأخير من 2017. ونجد الاستثناء الثالث في دولة فنزويلا وبندول الاضطرابات فيها خاصة مع تزايد علاقتها بكل من روسيا والصين ودورها في تحديد أسعار النفط العالمية. ومن دون شك ستكون تحت دائرة الأضواء في 2018، وذلك لإصرار أمريكا على زعزعة استقرارها وقطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي في دول أمريكا الجنوبية. ولكن بعدها عن مراكز الأحداث العالمية الأساسية سيحجم من دورها وتأثيرها.

{ ثم ماذا بعد؟
من دون شك 2018 ستكون سنة متوترة تمسك فيها الأحداث بخناق بعضها. والعالم تغير بشكل سريع خلال العقد الأخير بتأثير الأزمة الاقتصادية العميق في 2008، وشهد متغيرات في الصعد كافة السياسية والاقتصادية.. سنواجه تحديات معقدة ومتشابكة، ستكون شرق آسيا، على سبيل المثال، منبراً للتنافس الشديد بين الصين واليابان مع تراجع الدور الأمريكي حتى في ظل تصاعد التحديات من نظام كوريا الشمالية. وفي أوروبا ستكون الخلافات بين دول شرقها وغربها ظاهرة للعيان خاصة بين ألمانيا وبولندا. وفي الشرق الأوسط ستنفجر مرة أخرى موجة من العمليات الإرهابية وسيتزايد الاهتمام بأوضاع إيران خاصة مع توسع نفوذها التدريجي من خلال قوس الأزمات من أفغانستان إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وسينحسر الدور الأمريكي بصورة واضحة مع تصاعد مؤشرات الركود الاقتصادي.
المهم من كل هذا الاستعراض المبسط لأوضاع العالم خلال 2018 كيف سيحافظ السودان على موقف يتوافق مع سيادته والدفاع عن مصالحه العليا وتأمين وتعزيز أمنه الوطني؟ وكيف ستؤثر هذه العواصف والتحديات وتنعكس على أوضاع شركائه في الماء والكلأ والوجه الحسن، وهنا نعني الرباعي: جنوب السودان ومصر وإثيوبيا والمملكة السعودية؟ بصورة عامة هذا هو حال عالمنا بما يموج به من عواصف ما يستدعي التأكيد أن نقول إن 2018 ستكون سنة حبلى بالمفاجآت، ما يتطلب النظر بعين الحرص والمتابعة اللصيقة لانعكاسات هذه الزلازل والعواصف على بلدنا وأهله.

دكتور صلاح آل بندر
كيمبردج، المملكة المتحدة
1 يناير 2018


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

قيم هذا المقال

0