نائب رئيس الوزراء وزير الاستثمار "مبارك الفاضل المهدي" (1-3)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

* مشكلة كثيرين أنهم لا ينظرون للجوانب الإيجابية الكثيرة الموجودة في الميزانية،
* المتاح للمغتربين الآن هو تحويل أموالهم وتسلّمها هنا بالدولار.
* العقوبات المصرفية والاقتصادية الأمريكية أفقدت الدولة سيطرتها على الموارد بالنقد الأجنبي
*  .. سياسات شراء الذهب قاصرة، لذلك هرب ثلثا إنتاج الذهب

جاءت موازنة العام 2018م مخيبة للآمال، ما تسرب عنها من معلومات يفيد بأننا مقدمون على سنوات عجاف، الأمر الذي أثار حفيظة الكثيرين، خاصة بعض الخبراء الاقتصاديين الذين عدّوا الاقتصاد السوداني يعيش أسوأ أيامه، إضافة إلى بعض القضايا الدبلوماسية والسياسية التي شغلت الرأي العام مؤخراً.. جمعنا كل هذا الزخم من الأحداث وطرحناه على طاولة نائب رئيس الوزراء وزير الاستثمار، أحد أهم الفاعلين في القطاع الاقتصادي والسيادي في الدولة "مبارك الفاضل المهدي".. وكانت اجاباته واضحة.
حوار - رشان أوشي

{ موازنة 2018 تنذر بـ"عام الرمادة" على المواطن؟
_ الموازنة تعني الدخل والمنصرف.. الدخل يقوم على واقع الإنتاج في البلد، دخل الحكومة يأتي من الضرائب، الجمارك، وهي في مجملها انعكاس للنشاط الاقتصادي، والآن الضرائب ليست بمستوى النشاط الاقتصادي، لأن كثيراً من الأنشطة خارج إطارها، التهرب الضريبي، عدم تسجيل الشركات والعمل خارج النظام المصرفي.. لذلك تعتمد الدولة في موازنتها على الجمارك. إذن القضية بمجملها تعتمد على الإنتاج، كلما زاد الإنتاج زاد مستوى الدخل وتحرك الاقتصاد، وهذا الأمر يعتمد على إدارة الموارد الاقتصادية بصورة فاعلة لتوجهها للإنتاج ونصل إلى تحقيق المطلوب. مشكلة كثيرين أنهم لا ينظرون للجوانب الإيجابية الكثيرة الموجودة في الميزانية، ويتعاملون مع القضية الاقتصادية بالأماني، أمانيهم في تحقيق الرخاء والرفاهية، لكنهم لا ينظرون للمتطلبات التي أهمها الإنتاج.. كثير جداً من القطاعات المجتمعية تعمل في أشغال هامشية كالسمسرة. في مناطق الإنتاج هناك نقص في الأيدي العاملة، الناس اتجهت لأنشطة هامشية وتركت الإنتاج، عندما ننظر إلى مستوى الإنتاج الزراعي في هذا العام في الموسم الصيفي نجده كبيراً مقارنة بالأعوام السابقة.
{ سياسات البنك الزراعي والدولة تجاه الزراعة نفرت منها المزارعين؟
_ هذا أمر طبيعي، لأن البلاد تعاني من نقص في البنيات الأساسية وأهملت القطاع الزراعي، أصابها المرض الهولندي (عندما يأتيك دخل البترول تهمل بقية القطاعات)، ركنت إلى دخل البترول الضخم، والصرف الكبير وتركت الزراعة، والإنفاق على بنياتها الأساسية، عندما غادر البترول التفتت للزراعة ووجدت أنها لا تملك الموارد التي تغطي بها البنيات الأساسية المطلوبة للزراعة، فبالتالي الآن الاقتصاد يناضل في إطار الواقع الموجود، ومن ثم المحاولة في معالجة المشكلات والاختناقات الموجودة في الساحة.
{ أنتم الآن تتحدثون عن تشجيع الإنتاج وحتى الزراعة بحاجة إلى مدخلات إنتاج.. عندما ترفعون سعر صرف الدولار الجمركي من أين يأتي الإنتاج؟
_ هناك فهم خاطئ لمسألة زيادة الدولار الجمركي أو غيرها، أنا مثلاً في وزارة الاستثمار إذا لم أملك سعر صرف واحد لن يأتيني مستثمرون (يجي يعمل شنو إذا عندي خمسة أسعار صرف)، واحد للجمارك، وآخر للاستيراد، والتصدير، هذا ما ينفر المستثمرين، توحيد سعر الصرف أهم أولويات الإصلاح الاقتصادي، زيادة تكلفة الاستيراد، هي في النهاية عملية تستخدم لخلق توازن اقتصادي، أنا لا أرغب في الاعتماد على الاستيراد والتصدير، بل نتجه للاعتماد على الإنتاج، عندما وحدنا سعر الدولار بـ(18 جنيهاً) جمركياً وعاماً، قمنا بمراجعة الفئات، وألغينا بعضها، كرسوم ضريبة التنمية (13%)، مدخلات الإنتاج كلها معفاة، المواد الغذائية الرئيسة، قطاعات الإنتاجية الإستراتيجية كالنقل وغيرها، إطارات، وبطاريات السيارات، من أجل تخفيض أثر زيادة الدولار الجمركي، وإعفاء رسوم الوارد على جميع مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، واستمرار إعفاء الأدوية والكيماويات، شملت (63%) من جملة الواردات السودانية، تخفيض رسم الوارد على إطارات السيارات الصغيرة من (40%) إلى (10%) لكي لا يزيد سعرها.. إذن نحن خفضنا الفئة الجمركية (30%) حتى لا تزيد الأسعار، الميزانية دعمت الأدوية المنقذة للحياة، والعمليات والعلاج المجاني للأطفال دون سن الخامسة.. نحن ماضون لمرحلة تقديم خططنا الاقتصادية وميزانياتنا للمجتمع الدولي من أجل إعفاء الديون، ولهذه القضية متطلبات، من أهمها خطة إستراتيجية لمكافحة الفقر، وموازنة عامة متبعة للأنماط الدولية في الموازنات (سعر صرف موحد، توازن في الاقتصاد بين السياسة النقدية والمالية، سيطرة على التضخم، الاستيراد بحجم الإنتاج).. ما خلصنا إليه أن هناك اختلالات هيكلية في الاقتصاد السوداني، هذه الميزانية شفافة، واقعية، وصادقة، وهي أولى بدايات الإصلاح الاقتصادي، وخرجنا منها بالآتي: (يجب إصلاح الخلل الذي عطل الاقتصاد  السوداني من النهوض)، ويتم ذلك بتوجيه مواردنا للإنتاج.
{ يقال إن الاجتماع استغرق وقتاً طويلاً (10 ساعات) بسبب خلافات حادة عطلت الإعلان عنها؟
_ لم يكن هناك خلاف، الاجتماع استمر (10 ساعات) لنعطي الجميع الفرصة فرداً فرداً لمناقشة الميزانية والإدلاء بآرائهم، وهذه محمدة لرئيس الوزراء، بأن تحلى بهذا القدر من الصبر ليستمع لآراء كل الطاقم التنفيذي بمن فيهم وزراء الدولة، والمسؤولون في الخدمة العامة من الجمارك وغيرها ليجيبوا عن الأسئلة الفنية التي طرحها الوزراء ووزراء الدولة.. هو اجتماع به عدد كبير وكل يرغب في أخذ فرصته للمناقشة من الطبيعي أن يستغرق وقتاً طويلاً، هذا يوضح أن الميزانية تهم الجميع وليست متعلقة بوزارة المالية فقط.. حتى تتمكن من الدفاع عنها يجب أن تكون مشاركاً فيها.
{ حوافز المغتربين من أجل تحويل أموالهم عبر المصارف غير مشجعة.. لذلك ماز ال السوق الأسود يعمل؟
_ موضوع الحوافز قيد الدراسة، هناك لجنة برئاسة وزير الدولة بمجلس الوزراء "جمال محمود"، كلفت بوضع المصفوفة الاقتصادية التي وضعها القطاع الاقتصادي وأجازها مجلس الوزراء، بوضعها موضع التنفيذ، مع عضوية عدد كبير من المصالح الحكومية ذات الصلة، هذه اللجنة أكملت عملها ومن المفترض أن تعرض تقريرها على مجلس الوزراء في اجتماعه القادم، وكانوا بصدد تقديمه في اجتماع الميزانية لكن الوقت لم يسعفنا.. هذه اللجنة ستقدم مقترحاتها للحوافز، ومن ضمنها طرح تمويل عقاري للمغتربين في إطار تحويلاتهم، وهناك جملة من المقترحات ستقدم للمجلس لم يكشف عنها بعد، وبعض من ممثلي المغتربين شاركوا في إعداد دراسة وعرضت للجنة وستعرض علينا.. المتاح للمغتربين الآن هو تحويل أموالهم وتسلّمها هنا بالدولار.
{ القطاع الاقتصادي للحكومة فشل في إدارة الأزمة ركزتم على إعلان الجوانب الإيجابية لميزانيتكم ولم تتحدثوا عن الضغط المعيشي للمواطن (زيادة أسعار الدقيق، والمواد الغذائية، وربما الوقود)؟
_ القطاع الاقتصادي يضع سياسات، ويرفعها لمجلس الوزراء، ومحكوم بالبرنامج الخماسي للإستراتيجية القومية للدولة، لا يعمل من فراغ، اجتهدنا في تصحيح ووضع حزمة من السياسات كفيلة بإعادة الاقتصاد السوداني للداخل.. العقوبات المصرفية والاقتصادية الأمريكية أفقدت الدولة سيطرتها على الموارد بالنقد الأجنبي، حيث نشأ اقتصاد موازٍ بسبب الحصار ويدار من خارج السودان، لم يكن ممكناً لدخل الصادرات أن يحول إلى داخل السودان بسبب المقاطعة المصرفية، ولم يكن ممكناً أن تأتي تحويلات المغتربين إلى السودان عبر القنوات المصرفية.. سياسات شراء الذهب قاصرة، لذلك هرب ثلثا إنتاج الذهب، صادراتنا كانت تذهب عبر دول ثالثة، وكذلك تأتي الأموال، بعد رفع الحظر كان يجب على الاقتصاد السوداني وضع سياسات تعيده لداخل السودان، وتعيد بسط السيطرة على الموارد، هذه عملية لا يمكن أن تتم في لحظة، بل تحتاج وقتاً طويلاً، لأن هناك صراعاً على هذه الموارد بين مجموعات من السماسرة والتجار والمضاربين، وضعوا أيديهم على هذه الموارد عبر قنوات أسسوها في الدول التي توجد بها كثافة سودانيين عاملين بالخارج، وعبر وسائل للتهريب (الذهب، والعملة) أسست في الداخل.. لكي يتم التغلب على هؤلاء نحن بحاجة لسياسات صحيحة، تجذب الموارد بصورة اقتصادية سليمة، وبحاجة لإجراءات أمنية لمنع التهريب وتجارة العملة، وفي ذات الوقت وضع إجراءات لضبط عملية الصادرات، ومن ثم عودة أموال الصادر إلى السودان.. في ظل الحصار المصرفي ونسبة لذهاب صادراتنا لدول ثالثة دخلت عناصر كثيرة، منها أجانب يقومون باستئجار سجلات سودانية، وتصدر ولا تأتي بالعائد، أصحابها ليس لديهم عناوين، لذلك وضعت جملة من الضوابط والإجراءات المصرفية لمنع استئجار السجلات، وبذلك استعدنا سلطة الصادر، ليس للبنوك والتصاديق فقط بل جعلناه يبدأ في وزارة التجارة للتأكد من السجلات وأصحابها، كان يجب ضمانها بإجراءات مصرفية، خروج الصادرات من السودان بخطابات اعتماد وأوراق سليمة، لمتابعة عملية عودتها للسودان، ويجب أيضاً ضبط عملية الاستيراد حيث قمنا بإلغاء الاستيراد بدون قيمة على معظم الواردات التي لا علاقة لها بالإنتاج، وتركنا الاستيراد بدون قيمة لبعض الواردات منها مدخلات الإنتاج وأخرى مهمة، على أمل التخلص من وسائل الاستيراد هذه، لكي يكون جميعه صادراً بخطابات اعتماد من البنوك، وهذا يجعلنا نتحكم في حجم الاستيراد وإدارة موارد العملة الصعبة ونوجهها للأولويات.. في ذات الوقت سمحنا لمن يملكون عملات صعبة بإيداعها في البنوك، وأن يحولوا أموالهم من الخارج ويحتفظوا بها ومن ثم استخدامها في عملية الاستيراد، ولكن هذه المعركة تحتاج وقتاً طويلاً.. مشكلة الدولار الآن ليست فقط زيادة الطلب عليه، لأن مواردنا تكفي الطلب إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، لأننا نملك سنوياً (100) طن من الذهب بحوالي (4) مليارات دولار، الصادرات الزراعية ستصل هذا العام إلى (2.5) مليار دولار، تحويلات المغتربين مقدرة بـ(5) مليارات دولار، الآن نتحدث عن (11.5) مليار، ووارداتنا في حدود (9) مليارات، إذن لدينا زيادة (2.5) مليار، ومن ثم الدولار يرتفع سعره لسببين، أهمها التشوهات التي أصابت الاقتصاد إبان فترة الحصار وعدم إدارة الموارد من قبل الدولة بل يديرها تجار في الخارج، وهؤلاء التجار يستخدمونها لصالح أشياء أخرى عدا صالح  البلاد....
{ (مقاطعة).. بسط يد التجار هي سياسة الدولة والآن تدفعون الثمن؟
_ هذه ليست سياسة الدولة، إنما ثمن الحصار الاقتصادي، بنوك السودان ممنوعة من تسلّم أموال أو تحويلها، لذلك اتجه الناس لاتخاذ تدابير أخرى للعمل وإلا سيموت الاقتصاد.. الحكومة قبلت أن يتعامل التجار بالعملة الصعبة في الخارج، وأموال المغتربين تذهب مباشرة إلى حسابات في بنوك خارجية، وكذلك عائدات الصادرات.. رجال الاعمال السودانيون سجلوا شركات أجنبية للتعاملات المصرفية، هناك من استغل هذه القضية وعلى رأسهم تجار العملة، قاموا بعمل جيد وهو شبكات لتحويل الأموال، لكنهم أيضاً عملوا في تهريب الذهب، والمضاربة على الدولار، وجزء من هذه الأموال يذهب للعمالة في السودان من دول مجاورة، حوالي مليوني وافد يحولون شهرياً مبالغ مالية تصل إلى (2) مليار دولار، من يمول هؤلاء هم تجار المضاربات، هذا يدفع باستقرار الدولار.


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

قيم هذا المقال

0